تشكيل الحكومة في العراق يعكس صراع القوى الإقليمية، مما يزيد من عدم الاستقرار ويؤثر على الأمن في الشرق الأوسط.
العراق ينتخب رئيساً جديداً لكن الأزمة تتفاقم مع انتقال المعركة إلى تشكيل الحكومة

نقلت شبكة "العرب ويكلي" أن انتخاب نزار أميدي رئيساً للعراق يمثل خطوة دستورية هامة أنهت شهوراً من الفراغ السياسي، لكنه لم يحل الأزمة في البلاد. بل على العكس، فقد أعاد تشكيل الأولويات السياسية وفتح الباب لمرحلة أكثر تعقيداً تركزت حول الصراع لتشكيل الحكومة وتعيين رئيس وزراء وسط استمرار الانقسامات بين القوى السياسية الرئيسية.
بعد نحو خمسة أشهر من الجمود السياسي عقب انتخابات 13 أبريل 2026، تمكن البرلمان العراقي من إتمام المرحلة الدستورية الثانية بانتخاب رئيس جديد للدولة. جرت عملية التصويت خلال جلسة برلمانية متوترة شهدت مقاطعة من عدة كتل بارزة، مما يعكس عمق الخلافات وغياب التوافق الوطني الواسع اللازم لإدارة المرحلة المقبلة.
أميدي، مرشح الاتحاد الوطني الكردستاني، حصل على الرئاسة بأغلبية مريحة في الجولة الثانية بعد أن فشل في الفوز من الجولة الأولى. ورغم الطابع الدستوري لهذا الانتخاب، إلا أن السياق السياسي المحيط بالتصويت أظهر أن الانتخابات لم تكن مجرد خطوة إجرائية، بل جزءاً من صراع أوسع حول شكل الدولة وتوجهها السياسي في الفترة المقبلة.
بينما يُعتبر انتخاب رئيس الجمهورية ركيزة أساسية في النظام السياسي العراقي، إلا أنه لا يمثل نهاية الأزمة. بل إنه يمثل بداية مرحلة أكثر حساسية مرتبطة مباشرة بتشكيل الحكومة الفيدرالية واختيار رئيس الوزراء. بموجب الدستور، يجب على الرئيس تكليف مرشح الكتلة البرلمانية الأكبر بتشكيل الحكومة ضمن إطار زمني محدد، مما يجعل رئاسة الوزراء في قلب التنافس السياسي.
تأتي هذه التطورات وسط خلافات مستمرة حول تعريف "الكتلة الأكبر"، وهو نزاع متكرر بعد كل انتخابات ويعد سبباً رئيسياً وراء تأخيرات تشكيل الحكومة. تسعى كل فصيل رئيسي إلى تعزيز موقفها التفاوضي لضمان حصة أكبر من السلطة، سواء من خلال رئاسة الوزراء أو المناصب الوزارية الرئيسية.
تجلى هذا الانقسام بوضوح في جلسة انتخاب الرئيس، التي قاطعتها عدة كتل رئيسية، بما في ذلك الحزب الديمقراطي الكردستاني وائتلاف دولة القانون. كما برزت المنافسة الكردية بين الحزبين الكرديين كعامل رئيسي يعقد المشهد السياسي، خاصة فيما يتعلق بالاتفاق على مرشح واحد للرئاسة.
توجه الأنظار الآن نحو تشكيل الحكومة، وهو عادة ما يكون عملية أكثر صعوبة وتعقيداً من انتخاب الرئيس. بينما يتم حل رئاسة الجمهورية غالباً من خلال توافق أوسع، فإن رئاسة الوزراء تخضع لتوازنات دقيقة بين الكتل الشيعية والسنية والكردية، بالإضافة إلى النفوذ الإقليمي والدولي المتزايد.
تشير المؤشرات السياسية إلى أن الإطار التنسيقي يمتلك العدد الأكبر من المقاعد، لكنه لا يزال منقسماً داخلياً حول اختيار مرشح موحد لرئاسة الوزراء. وقد ظهرت عدة أسماء، بما في ذلك رئيس الوزراء السابق نوري المالكي، الذي تواجه ترشيحاته تحفظات داخلية وخارجية، مما يعكس التعقيد المحيط بأعلى منصب تنفيذي في العراق.
تزيد التدخلات الإقليمية والدولية من تعقيد العملية، حيث تسعى القوى الخارجية إلى تشكيل النتائج بما يتماشى مع مصالحها الاستراتيجية، مما يجعل اختيار رئيس الوزراء جزءاً من توازن إقليمي أوسع. في الوقت نفسه، يراقب الجمهور العراقي التطورات بقلق متزايد وسط تحديات اقتصادية وخدمية مستمرة. يطالب المواطنون بتحسين الخدمات الأساسية، وحلول لمشكلة البطالة، وبيئة سياسية مستقرة قادرة على الحكم الفعال.
في ظل هذه الظروف، يُنظر إلى انتخاب رئيس الجمهورية، رغم أهميته، على أنه ليس إنجازاً نهائياً بل مرحلة انتقالية نحو معركة سياسية أكثر حساسية حول الحكومة المقبلة. تبقى السيناريوهات المستقبلية مفتوحة، تتراوح بين تسوية سياسية سريعة تؤدي إلى حكومة توافقية، إلى جمود مطول إذا فشلت الكتل الرئيسية في التوصل إلى اتفاق. في جميع الأحوال، يدخل العراق مرحلة دقيقة تتطلب درجة عالية من التوازن والتنازلات المتبادلة لتجنب تصعيد التعقيدات السياسية.
