صمود إيران يعكس قدرة النظام على مواجهة الضغوط الخارجية، مما يعزز نفوذها في الشرق الأوسط ويزيد من تعقيد التوازنات الإقليمية.
إيران: بقاء النظام في ظل التركيز على البقاء السياسي

نقلت شبكة بي بي سي عن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قوله في خطاب له مساء الأربعاء إن القدرات العسكرية الإيرانية، بما في ذلك البحرية والقوات الجوية وبرنامج الصواريخ والبنية التحتية لتخصيب اليورانيوم، قد دُمّرت إلى حد كبير، مما يوحي بأن الصراع مع إيران يقترب من نهايته. ومع ذلك، أضاف ترامب تهديدات بمزيد من التصعيد في الأسابيع المقبلة، مما يخلق رسالة متناقضة بين إعلان النصر وعدم تأمينه.
وقد زادت حدة الخطاب مع تحذيره بأن إيران ستُقصف "إلى عصور الحجر، حيث تنتمي". وقد أثار هذا التصريح ردود فعل غاضبة داخل إيران، بما في ذلك بين مؤيدي المعارضة الذين كانوا يرون في ترامب وكيل تغيير محتمل. بدلاً من تعزيز الضغط الداخلي على النظام، عززت هذه التصريحات شعورًا بأن البلاد تحت الحصار.
كما أصر ترامب على أن "تغيير النظام" قد حدث فعليًا في إيران بعد اغتيال المرشد الأعلى آية الله علي خامنئي والعديد من المسؤولين والقادة العسكريين، مما أدى إلى ظهور قيادة "أقل تطرفًا وأكثر عقلانية". ومع ذلك، لا توجد أدلة تدعم هذا الادعاء، حيث لا يزال الهيكل السياسي في طهران كما هو، وتستمر السلطة في التدفق من مكتب المرشد الأعلى.
تظل القيادة الحالية، بما في ذلك الرئيس مسعود پزشكيان ورئيس البرلمان محمد باقر قاليباف، في مناصبهم، وقد تم استبدال القادة والمسؤولين الذين قُتلوا في الضربات بأشخاص من نفس الصفوف الأيديولوجية، الذين أصبحوا أكثر تشددًا بسبب ظروف الحرب. يبدو أن هذا يعكس صمود النظام أكثر من كونه تغييرًا حقيقيًا.
تسعى إيران في هذه الحرب إلى البقاء، حيث تعتبر أن البقاء أمام قوة عسكرية متفوقة هو نجاح. لطالما اعتقدت طهران أن الصراع مع أحد الأطراف، سواء كان إسرائيل أو الولايات المتحدة، سيجذب الطرف الآخر. لذا، فإن "البقاء واقفًا" ليس مجرد نتيجة احتياطية، بل هو الهدف.
بعد شهر من الحرب، لا تزال هياكل القيادة في الجمهورية الإسلامية تعمل، ويظل جهاز الدولة قائمًا، ورغم تدهور قدراتها العسكرية، إلا أنها لم تُكسر. تحتفظ إيران بنفوذ كبير على طرق الطاقة الحيوية، وخاصة مضيق هرمز، الذي يمر عبره حوالي خُمس إمدادات النفط العالمية، مما يمنحها قدرة على إحداث اضطرابات حتى تحت الهجمات المستمرة.
تواجه الولايات المتحدة معضلة في هذا السياق. إذا انسحبت الآن، فإنها تخاطر بتأكيد الدرس الأساسي لإيران: أن البقاء يعمل. وإذا استمرت، فإنها تواجه تكاليف متزايدة دون مسار واضح نحو نصر حاسم. يعكس خطاب ترامب هذا المأزق، حيث يسعى إلى التوفيق بين إظهار القوة وتجنب الانغماس المطول.
في هذا السياق، فإن تأكيد پزشكيان قبل خطاب ترامب بأن إيران تمتلك "الإرادة اللازمة" لإنهاء الحرب يبدو كإشارة محسوبة بدلاً من كونه تنازلاً. وقد وجه رسالة مفتوحة للجمهور الأمريكي عبر وسائل التواصل الاجتماعي، تساءل فيها عما إذا كانت "أمريكا أولاً" تُخدم، وما إذا كانت الولايات المتحدة تعمل كوكيل لإسرائيل. كانت الرسالة موجهة بشكل مباشر للجمهور الأمريكي الذي يشعر بالقلق من الصراع، في محاولة لتوسيع الضغط السياسي في واشنطن دون تغيير موقف إيران التفاوضي.
تبدو الخطوط الحمراء الإيرانية لإنهاء الحرب غير متغيرة حتى الآن، ولا توجد علامات على استعداد إيران للتنازل عن هذه المطالب. ومع استمرار القصف الأمريكي والإسرائيلي، من المؤكد أن ذلك يؤثر بشكل كبير على القدرات العسكرية الإيرانية واقتصادها، الذي كان يعاني بالفعل قبل بدء الحرب. إذا نجت الحكومة من الحرب، سيتعين عليها إعادة بناء بلد يعاني من هذه الأزمات. لكن البقاء سيكون له عواقب أعمق: الردع نفسه.
لطالما كانت التهديدات الضمنية بهجوم واسع النطاق من الولايات المتحدة أو إسرائيل تعمل كقيد على إيران. إذا خرجت إيران من المواجهة intact، فإن مصداقية التهديدات المستقبلية ستتقلص. هذا التحول بدأ بالفعل في تشكيل الحسابات الإقليمية، حيث إن بعض الدول العربية، التي كانت معارضة في البداية للحرب، تدعو الآن ترامب للاستمرار بدلاً من المخاطرة بترك إيران أكثر ثقة. من وجهة نظرهم، قد يكون نهاية غير حاسمة أكثر زعزعة للاستقرار من الصراع نفسه، حيث يخشون أن يتحملوا العواقب أكثر من واشنطن.
لذا، فإن الولايات المتحدة عالقة في مأزق مألوف ولكنه حاد. إن الانسحاب يخاطر بتأكيد نموذج إيران في البقاء، بينما البقاء ينطوي على خطر الانغماس الأعمق في حرب بلا نهاية واضحة. حتى الآن، لم يظهر إيران جديدة. إذا استمر هذا الوضع بعد انتهاء الحرب، فسيكون السؤال هو ما إذا كانت واشنطن تستطيع مواءمة ادعاءاتها بالنجاح مع واقع أن الخصم الذي سعت إلى تغييره لا يزال، من الناحية الجوهرية، كما هو.
